السيد محمد حسين الطهراني
5
معرفة الإمام
قال : قال بعض العلماء في مدح الكتب : الكُتُبُ بَسَاتينُ العُقَلَاءِ . أي : أنّ جميع الناس غير العقلاء يظنّون أنّ الرياض والحدائق والبساتين تنحصر بالأراضي المفروشة بالورود والسنابل والرياحين والأرجوان ، في حين يرى العقلاء أنّ رياضهم وحدائقهم الحقيقيّة التجوّل بين الكتب وتصفّحها والنظر في مطالبها البديعة المتنوّعة . وقال بعض البلغاء : الكِتَابُ وِعَاءٌ مَلِيّ عِلْمًا ، وَظَرْفٌ مَلِيّ ظَرْفاً . وقال بعض الفصحاء : الكُتُبُ أصْدافُ الحِكَمِ تَنْشَقُّ عَنْ جَوَاهِرِ الكَلِمِ . وقال بعضهم : الكِتَابُ بُسْتَانٌ يُحْمَلُ في رُدْنٍ ، « 1 » وَرَوضَةٌ تُقْلَبُ في حِجْرِ ، يَنْطِقُ عَنِ المَوْتَى ، وَيُتَرْجِمُ عَنِ الأحْيَاءِ . وقال الشاعر : ولى جُلَسَاءٌ لَا يُمَلُّ حَدِيثُهُمْ * ألِبَّاءُ مَأمونُونَ غَيْباً وَمَشْهَدا يُفيدُونَني مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَنْ مَضَى * وَعَقْلًا وَتَأديباً وَرأياً مُسَدَّدا فالحاصل : أنّ المرء يظهر في كتابه مكنون علمه ، ويعبِّئ فيه موقر رويّته وفهمه . فيتأتّى له فيه كثير ما لم يتأتَ على لسانه ، ولا يتيسّر له أن يعرب عنه ببلاغته وبيانه ، لأنّه في الأغلب يكون منفرداً في خلوته ، فيكون متفرّغاً لاستعمال بصيرته وفكرته . ولهذا قال بعض الحكماء : كِتَابُ المَرْءِ عُنْوانُ عَقْلِهِ وَلِسَانُ فَضْلِهِ .
--> ( 1 ) - الرُّدْن في « أقرب الموارِد » بضمّ الراء أصل الكُمّ ، وكانت العرب تضع فيه الدراهم والدنانير قال الحريريّ : إذا ثقل رُدني خفّ علَيّ أن أكفُل ابني .